المراد الشرعي بالجماعة واثر تحقيقه فى اثبات الهوية الاسلامية

صالح بن عبدالله العبود

Text

PDF

الجماعة قضيّة متفق على طلبها في الجملة
۱ - الجماعة قضيّة متفق على طلبها في الجملة
الجماعة قضيّة متفق على طلبها ضرورة في الجملة، وبيان
ذلك:
أن الإنسان : همام وحارث يتحرّك بالإرادة بالمحبة والبغض طلباً لما يسعده ويلائمه ويلتذ به، وهرباً مما يشقيه وينافره وينفر منه؛ فحركته الإرادية تتبع حبّه وبغضه، يحب ما ينفعه؛ فيتحرك له طلباً، ويبغض ما يضره فيتحرك عنه هرباً، وهو لا يعيش بذلك منفرداً، بل لا بد له من الاجتماع والتعاون مع بني جنسه ليعيش، كما قيل:
الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وأبلغ من ذلك قول الله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَهُم فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتِ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِنَا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: ٣٢]. فالاجتماع الإنساني ضروري للحياة، لأن الله سبحانه خلق الإنسان وركبه على صورة ضعيفة كما قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعيفا ﴾ [النساء: ٢٨ ] فمن حكمة الله وال في هذه الحياة أن خلق الإنسان وركبه على صورة ضعيفة وأعطاه قدرة قاصرة، لا تقوم حياته ولا يتم بقاؤه بها، لأنّ قدرته قاصرة عن تحصيل حاجته من مادة حياته، وقاصرة عن الدفاع عن نفسه إلاّ بالاستعانة بأبناء جنسه، وبالتعاون فيما بينهم تحصل مصلحتهم الضرورية، ولا يتم ذلك التعاون إلا بالاجتماع والجماعة، وبغير الجماعة لا تتم لهم الحياة الاجتماعية الحضارية المدنية سياسياً واقتصادياً وتربوياً، وبغير الجماعة لا يحصل لهم ما يريدونه من المحبوب، ولا يندفع عنهم ما لا يريدونه من المكروه، وبغير الجماعة تبطل الحكمة العليا في بقاء الإنسان وحفظ نوعه لما أراد الله تعالى من اعتمار العالم به، واستخلافه إياه في الأرض، وهذا الاجتماع والجماعة لا تكون إلا باجتماعهم على أمير منهم؛ يسمعون له ويطيعون، وتكون له الغلبة والسلطان عليهم، واليد القاهرة الوازع؛ الذي يدفع بعضهم عن بعض حتى لا يصل أحد منهم إلى غيره بعدوان ؛ لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم والجهل؛ قال الله تعالى : ... وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) [الأحزاب: ۷۲ ]، وهذا هو معنى
الملك، قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالُوا لنبي لَهُمُ ابْعَثَ لَنَا مَلَكَ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢٤٦].